خاص|| أثر برس نطاف كثيرة من أقوام وجماعات وتكوينات، وجيوش وغزوات، وتجارة وهجرات من مختلف أرجاء العالم قَرَّتْ في “رَحِم” هذا البلد المشرقي الجميل، خلال حقب تاريخية مختلفة، ليس بالمعنى البيولوجي والفيزيولوجي فقط، وهو حاصل على أية حال، وإنما بالمعنى الاجتماعي والسياسي والعسكري، وبالطبع الاقتصادي والقيمي والحضاري أيضاً.
من المفترض أن يتسامى التعدد الاجتماعي تعدداً ثقافياً وقيمياً وبالطبع سياسياً. ذلك أن عِلَّة نشوء أو وجود مجتمعات بالمعنى الحديث للكلمة هو وجود ديناميات تفاعل أفقية عابرة للجماعات والتكوينات: حزبية ومهنية وطبقية، وتداخل وتخارج في المجتمع على أسس حداثية. وهذا لا ينف وجود بنى وتكوينات وشائجية وقرابية وعضوية الخ إنما لا تكون قَوَّامَة على معنى مجتمع وجماعة وطنية ودولة.
لكن هذا لم يحدث في سوريا، بل ربما حدث العكس، أي أن ثمة تراجع أو نكوص في جوانب من نظم التفاعل في الظاهرة السورية من “الأمة” إلى “الملة”. والأمة هنا بمعنى “المجتمع” أو “الجماعة الوطنية” و”التكوين الوطني”. و”الملة” بمعنى “الجماعة الدينية” أو “الطائفة” في المقام الأول، ولو أنها تنطوي على معاني القبلية والأقوامية الفرعية وما شابه. (وهذه تحديدات مؤقتة على أية حال). وبالتالي، ثمة نكوص من معنى مجتمع وعلاقات أفقية وحداثية إلى معاني “المِلَل والنِّحَل”، ونظم القيم والتفاعلات القبلية والطائفية والجهوية، وهذا من الأمور التي لا تنبئ بخير!
يمكن الحديث عن عملية تفاعل (تداخل وتخارج) تاريخية بين السوريين والأقوام والجماعات التي استوطنت وعاشت في سوريا، وتلك التي مرت عليها، سلماً وحرباً، غزواً واستيطاناً، … كانت –في جانب مهم منها- “صانعة” للظاهرة السورية أو جزءاً حيوياً من ديناميات إنتاجها. وهذا يفسر أن سوريا تتألف من طيف واسع نسبياً من التكوينات والتشكلات الاجتماعية: الأقوامية والدينية واللغوية والثقافية والمناطقية وغيرها. كما يفسر –بالمقابل- جانباً من حضور الظاهرة السورية في الإقليم والعالم.
وهذا، بقدر ما يدفع لـ”الاعتراف” بواقع التعدد الاجتماعي في سوريا، والحاجة لـ”إنتاج” سياسات متوافقة معه أو مناسبة له، بقدر ما يدفع لـ”التنكر له” و”إنتاج” سياسات توحيد إثنية وأقوامية وهووية تحت عنوان عربي وإسلامي، كما كان الحال منذ خمسينيات وستينيات القرن العشرين وحتى وقت قريب. والواقع أن التعدد الاجتماعي أو الإقرار به يثير مخاوف من أن الظاهرة السورية “تفتقر” للقدر المطلوب من “المشتركات” و”التشابكات” بين التكوينات. وتذهب الأمور أبعد من ذلك، وقد تصل إلى مدارك تهديد عالية نسبياً من قبيل: الانقسام الاجتماعي، وانفجار الصراعات الداخلية، و”التغلغل الخارجي”.
كانت كلمة تكوينات نفسها “مرفوضة” و”مُتَنَكَّر لها” أو “ممنوع التفكير فيها” تقريباً في حديث السوريين العلني، وبالطبع في الدراسات الاجتماعية والسياسية، وبرامج الأحزاب السياسية داخل سوريا. ولم يكن ذلك محض نتيجة لحكم إيديولوجي أو قرار سياسي، بل كان ثمة “توافق عمومي” على ذلك. وكان ثمة حرج من الحديث العلني في موضوع الطائفية، لكن المفارقة أن كل ذلك كان حاضراً بقوة في مدارك وأحاديث وتقديرات السوريين غير العلنية أو خلف الجدران والأبواب المغلقة (أو في الخارج).
ولم يتمكن السوريون من إنتاج نصوص وتقديرات جدية حول طبيعة التكوين الاجتماعي والديني في البلاد، وتركوا المهمة لكتاب ثانويين، إيديولوجيين على الأغلب، أو كتاب أوربيين هم إما صحفيين أو دبلوماسيين سابقين، ومؤخراً باحثين في مراكز الدراسات المهتمة بالشرق الأوسط. ووقعت سوريا ضحية أنماط من “التَعَجُّل” في الكتابة والقراءة. و”التجاهل” لواقع البلد والحاجة لدراسته موضوعياً. و”التسرع” و”الأدلجة” و”التسييس” في إنتاج كتابات وتقديرات حول ظاهرة معقدة ومتفجرة.
هناك إخفاق في إنتاج سياسات عليا تعكس التعدد والتنوع الاجتماعي، وليس مجرد الحديث عن “فسيفساء” و”ألوان في حديقة” بل تكوينات وفواعل اجتماعية لديها أنماط قيم وتطلعات ومنافسات ورهانات في السياسة أيضاً. وبقيت سوريا حيزاً لتجاذبات دينية وأقوامية ولغوية وغيرها، القَوَامَة فيها للعرب مقابل الأقوام والجماعات والتكوينات غير العربية، والمسلمين مقابل غير المسلمين، والمدن الكبيرة مقابل الأرياف والمدن الريفية، والأغنياء مقابل الفقراء، الخ
إن دينامية التفاعل (التداخل والتخارج) التاريخية أنتجت ما أنتجت من أنماط قيم ومدارك وتفاعل وسلوك الخ بين السوريين، بعضها كان خلَّاقاً وإبداعياً، بعضها لم يكن كذلك. هذا يفسر –في جانب منه- كيف أن الظاهرة السورية “تلفيقية” و”هجينية” بامتياز. ولا يصح إحالة “الهجنة” و”التنوع” و”الاختلاف” و”السمات” السيكولوجية والسلوكية في الاجتماع السوري، إلى مجرد “التهاجن” (أو الهجنة) بين أقوام وأعراق وجماعات وقبائل في جغرافيا محددة أو حيز تاريخي وسياسي وكياني/دولتي كان متغيراً على الدوام.
وبالنسبة للكاتب فإن الهجنة والتفاعل، اجتماعياً وقيمياً واقتصادياً وحتى بيولوجيا وفيزيولوجياً، هي أمور موضوعية وتاريخية، ولا حكم قيمة بالسلب أو الإيجاب عليها. الواقع أن تلك الدينامية لا تزال تشتغل بقوة في سوريا، مع قدر قليل نسبياً من التنبه، وقدر أقل من الجدية، لدى السوريين لتدبير ما هم فيه!
كان ثمة مخاوف لدى “التوحيديين” أو “الإدماجيين” من فواعل السياسة والفكر، وخاصة فواعل الحكم، لكنهم اتبعوا سياسات أدت إلى تعزيز ما كانوا متخوفين منه. وإن كبت الطائفية والقبلية والمناطقية والأقوامية كان أحد عوامل تعزيزها. وبالتالي، عندما تراجعت قوة السلطة أمام ديناميات الهوية أو ضعف اهتمامها بـ”احتواءها”، ولاحقاً عندما دخلت البلاد في حالة من الصراع العميق والممتد وصولاً إلى إسقاط النظام، وبداية نظام حكم جديد، انفجر البلد بهوياته وتكويناته!
إن الخطير فيما يحدث اليوم، أنه أصبح رائزاً رئيساً في رسم السياسات وتحديد الأولويات، وعامل تهديد-فرصة بالنسبة للأفراد والجماعات، وخاصة في البعد الطائفي. وأصبحت الطائفية عامل تحديد وتمييز صريح. وحدث مثل ذلك في الجانب الأقوامي، وإلى حد ما المناطقي. والخطير أيضاً، هو انزلاق المجال بالكلية تقريباً إلى خطاب وممارسات طائفية بالغة الحدة، كما لو أن السوريين يعيدون اكتشاف أنفسهم وذواتهم، إنما بوصفهم أفرداً وجماعات طائفية وليس بوصفهم سوريين. والواقع أنهم ليسوا سواء. وأن نظرة واحدة على ما يتداوله السوريون على وسائط التواصل الاجتماعي وفي منابر الإعلام المختلفة، وبالطبع ما يحدث على الأرض، يُظهر حجم الكارثة التي حلت بالظاهرة السورية.
وهكذا، تشظت الظاهرة السورية أو الاجتماع السوري (أو ما كان يُعَدُّ اجتماعاً سورياً) إلى “مِلَل ونِحَل” وجماعات دينية وطائفية وقبلية الخ بكيفية فاقت كل تصور، كما لو أن الحداثة لم تمر على سوريا. ويعود الزمن بالناس إلى أحوال كانت في لحظات سابقة وكالحة في تاريخ الإقليم (والعالم)، ولعلها الأسوأ في تاريخ الإقليم منذ اللحظتين المملوكية والعثمانية. وهذه مسألة خلافية على أية حال!
في الختام:
تحولت البلاد من مجتمع ودولة (أو ما يُعدُّ مجتمعاً ودولة) إلى الجماعة والملة والطريقة والطائفة والقبيلة والمنطقة/الجهة، وحتى الجماعة الزبائنية والارتزاقية. وقليل في الظاهرة السورية اليوم ما يحيل إلى معنى مجتمع ودولة، كما نعرفها في العلوم الاجتماعية وبعض مناطق وجهات العالم. وقد يمر وقت طويل نسبياً قبل أن يدرج السوريون على هذا الطريق.
يقبل “السوري” من يشبهه بالدين والطائفة حتى لو كان قادماً من أبعد مناطق الأرض، ويرفض “سُورياً” آخر لأنه ينتمي لطائفة أخرى. وهذا يعزز مسألتين رئيستين يؤكدهما “السوريون” بثبات وإصرار: الأولى أن الاجتماع السوري هو أقرب لـ”تكوينات” منه لـ”مجتمع”. والثاني، أنه –بالأساس، وربما منذ ولادة الدولة الحديثة في بدايات القرن العشرين- مفخخ بالعنف والموت.
الدكتور عقيل سعيد محفوض